إن الاستهلاك المثالي للمياه موضع تساؤل، وقد تكون التوصية بشرب لترين في اليوم مبالغة بالنسبة للكثيرين

Agua saude

Indypendenz/Shutterstock.com

إن التوصية بشرب لترين من الماء يوميًا، والتي تعتبر على نطاق واسع ركيزة للصحة والرفاهية، يتم إعادة تقييمها بشكل متزايد من قبل الخبراء والدراسات العلمية الحديثة. وقد لا يكون هذا المبدأ التوجيهي، الذي شكل عادات الاستهلاك لعقود من الزمن، المقياس المثالي للجميع، مما يشير إلى أن الحاجة إلى الماء هي عملية فردية أكثر بكثير مما كان يعتقد سابقا.

تشير الأدلة المتزايدة إلى أن كمية السوائل التي يحتاجها الجسم ليعمل بشكل صحيح تختلف اختلافًا كبيرًا. تلعب عوامل مثل العمر ومستوى النشاط البدني والمناخ والظروف الصحية الموجودة مسبقًا دورًا حاسمًا في تحديد كمية المياه اليومية. ولذلك، فإن قاعدة “الأكواب الثمانية” العالمية قد تكون أكثر من اللازم بالنسبة للبعض وغير كافية بالنسبة للبعض الآخر.

بالنسبة لمعظم الشباب الأصحاء، تظل الآلية التنظيمية الرئيسية للجسم، وهي العطش، المؤشر الأكثر موثوقية وكفاءة. إن شرب الماء عند الشعور بالعطش يكفي في معظم الحالات للحفاظ على رطوبة الجسم بشكل صحيح وتجنب الجفاف والمخاطر المرتبطة بالإفراط في استهلاك السوائل.

أصل التوصية وأضدادها

إن المبدأ التوجيهي الشهير باستهلاك حوالي لترين من الماء يوميًا لم ينشأ من دراسة سريرية نهائية وقوية، ولكن يبدو أن له جذوره في التوصيات القديمة والتفسيرات المبسطة. أحد المصادر التي يتم الاستشهاد بها بشكل متكرر هو منشور صدر عام 1945 عن مجلس الغذاء والتغذية التابع للمجلس الوطني للبحوث في الولايات المتحدة، والذي اقترح شرب 1 مل من الماء لكل سعر حراري من الطعام المستهلك. بالنسبة لنظام غذائي قياسي يحتوي على 2000 سعرة حرارية، فإن ذلك يعادل لترين من الماء. ومع ذلك، سلطت نفس التوصية الضوء على أن الكثير من هذه الكمية موجودة بالفعل في الأطعمة التي نستهلكها، وهي تفاصيل مهمة غالبًا ما يتم حذفها بمرور الوقت.

حاليًا، يؤكد المجتمع العلمي أن الترطيب لا يعتمد حصريًا على الماء النقي. تحتوي العديد من الأطعمة، وخاصة الفواكه والخضروات مثل البطيخ والخيار والبرتقال، على نسبة عالية من الماء وتساهم بشكل كبير في إجمالي تناول السوائل. علاوة على ذلك، فإن المشروبات الأخرى مثل الشاي والعصائر الطبيعية والحليب وحتى القهوة، التي يتم تناولها باعتدال، تشارك في توازن الماء في الجسم. يؤدي تجاهل هذه المصادر إلى المبالغة في تقدير كمية المياه التي نحتاجها للشرب مباشرة، مما يغذي الأسطورة القائلة بأن الماء في شكله النقي فقط هو الصالح للترطيب.

العوامل التي تؤثر على الحاجة إلى الماء

إن حاجة الإنسان للمياه هي عملية حسابية معقدة وديناميكية، تتأثر بعدد من المتغيرات التي تتغير يوميا. النشاط البدني هو أحد العوامل الرئيسية؛ أولئك الذين يمارسون تمرينًا مكثفًا أو طويل الأمد يفقدون المزيد من السوائل من خلال العرق، وبالتالي يحتاجون إلى تعويض أكبر. وتلعب البيئة دوراً حاسماً أيضاً، ففي المناخات الحارة والجافة، يزداد فقدان الماء عن طريق العرق والتنفس بشكل كبير، مما يتطلب استهلاك كميات أكبر من الماء. يعد العمر متغيرًا مهمًا آخر، حيث يكون كبار السن والأطفال أكثر عرضة للجفاف، غالبًا لأن آليات العطش لديهم ليست دقيقة. بالإضافة إلى ذلك، يمكن لظروف صحية معينة أن تغير بشكل كبير احتياجات السوائل. على سبيل المثال، يُنصح الأشخاص الذين لديهم تاريخ من الإصابة بحصوات الكلى بزيادة استهلاكهم للمياه للمساعدة في تخفيف المعادن الموجودة في البول. على العكس من ذلك، قد يحتاج المرضى الذين يعانون من أمراض معينة في القلب أو الكلى إلى تقييد تناول السوائل لتجنب التحميل الزائد على نظام القلب والأوعية الدموية. ولذلك، فإن النهج الشخصي، الذي يأخذ في الاعتبار نمط حياة كل شخص وحالته الصحية، ضروري للحصول على الترطيب الكافي.

إشارات الجسم التي لا ينبغي تجاهلها

يمتلك جسم الإنسان نظامًا متطورًا للإشارة إلى الحاجة إلى استبدال السوائل، حيث يكون العطش هو التحذير الأكثر مباشرة وفعالية. تجاهل هذه العلامة الأولى يمكن أن يؤدي إلى مراحل مبكرة من الجفاف، والذي يتجلى بطرق أخرى.

لون البول هو مؤشر مرئي عملي وموثوق لحالة الترطيب. يشير البول ذو اللون الأصفر الفاتح، المشابه لعصير الليمون، عمومًا إلى أن الشخص يتمتع بقدر جيد من الماء. من ناحية أخرى، يعتبر اللون الأصفر الداكن أو العنبري علامة واضحة على أن الجسم يحتاج إلى المزيد من السوائل.

وتشمل الأعراض الأخرى للجفاف جفاف الفم، والتعب، والدوخة، وانخفاض التبول. وفي الحالات الأكثر شدة، قد يحدث ارتباك عقلي وتهيج، مما يدل على أن نقص الماء لا يؤثر على الجسم فحسب، بل يؤثر أيضًا على الوظائف الإدراكية.

ما وراء الماء: مصادر أخرى للترطيب

على الرغم من أن الماء هو الخيار الأكثر صحة لأنه لا يحتوي على سعرات حرارية أو سكريات، إلا أنه ليس المصدر الوحيد للترطيب المتاح. يعد النظام الغذائي الغني بالأطعمة التي تحتوي على نسبة عالية من الماء طريقة فعالة لتكملة كمية السوائل التي تتناولها.

تتكون الفواكه مثل البطيخ والفراولة والشمام وكذلك الخضروات مثل الخس والخيار والكرفس من أكثر من 90% من الماء. إن إدراج هذه الأطعمة في الوجبات اليومية يساهم بشكل كبير في توازن الماء الإجمالي في الجسم.

مخاطر الإفراط في استهلاك السوائل

كما أن نقص المياه ضار، فإن الماء الزائد يمكن أن يكون خطيرًا أيضًا. إن شرب كمية من الماء أكثر مما تستطيع الكليتان معالجته يمكن أن يؤدي إلى حالة خطيرة تعرف باسم نقص صوديوم الدم، أو “التسمم المائي”.

يحدث هذا عندما يؤدي الإفراط في تناول الماء إلى تخفيف تركيز الصوديوم في الدم بشكل كبير. الصوديوم هو إلكتروليت حيوي لتوازن السوائل داخل الخلايا وخارجها، وتركيزه المنخفض يمكن أن يسبب مشاكل صحية خطيرة.

قد تكون الأعراض الأولية لنقص صوديوم الدم غامضة، مثل الغثيان والصداع والارتباك. ومع ذلك، في الحالات الشديدة، يمكن أن تؤدي الحالة إلى تورم الدماغ، والنوبات، والغيبوبة، وحتى الموت، كما تم توثيقه لدى رياضيي التحمل والمشاركين في مسابقة شرب الماء.

من المهم أن نفهم أنه على الرغم من أن الترطيب هو المفتاح، فإن التوازن هو المفتاح. إن إجبار استهلاك الماء على ما هو أبعد من الشعور بالعطش، دون حاجة استقلابية حقيقية أو توصية طبية، لا يجلب فوائد إضافية ويمكن أن يعرض الفرد لمخاطر غير ضرورية.

متى يكون أفضل وقت للترطيب

لا يوجد وقت محدد أفضل عالمياً لشرب الماء، فالحاجة إلى الترطيب مستمرة طوال اليوم. وأكثر ما يوصي به الخبراء هو توزيع استهلاك السوائل بطريقة متوازنة، والاستجابة السريعة لإشارة العطش والاهتمام باللحظات التي تكون فيها الحاجة أكبر، مثل قبل وأثناء وبعد النشاط البدني.