صدق مجلس الشيوخ الأرجنتيني في الساعات الأولى من يوم الأربعاء على حزمة التغييرات في قوانين العمل التي روجت لها إدارة خافيير مايلي. وتمثل الموافقة خطوة حاسمة للحكومة التحررية، التي تسعى إلى جعل قواعد التوظيف والفصل أكثر مرونة في الدولة المجاورة كوسيلة لتحفيز الاقتصاد. ويحال النص الآن إلى مجلس النواب، حيث سيتم تحليله وقد يخضع لمزيد من التغييرات أو يتم التصديق عليه بالكامل من قبل المشرعين.
وشهدت الجلسة التشريعية مناقشات حادة بين القاعدة الحكومية والمعارضة البيرونية، مما يعكس الاستقطاب السياسي الذي تعيشه الدولة الواقعة في أمريكا الجنوبية. وأظهرت النتيجة النهائية 42 صوتًا لصالح الإصلاح و30 صوتًا ضده، مما يضمن فوزًا مريحًا لكاسا روسادا في هذه المرحلة من العملية. ويهدف الاقتراح إلى إحداث تغيير عميق في الديناميكيات بين أصحاب العمل والنقابات، وتعديل الهياكل التي كانت سارية لعقود من الزمن في التشريع الأرجنتيني.

الهدف الرئيسي للمشروع هو تحديث سوق العمل، وخفض التكاليف المرتبطة بالنزاعات العمالية، وتسهيل إضفاء الطابع الرسمي على الوظائف. ومن بين النقاط الأكثر إثارة للجدل التي وافق عليها أعضاء مجلس الشيوخ هي تمديد الفترة التجريبية للموظفين الجدد وإنشاء صندوق إنهاء الخدمة الذي يحل محل التعويضات التقليدية. وتقول الحكومة إن هذه الإجراءات ضرورية لإطلاق النمو الاقتصادي وجذب الاستثمار الأجنبي.
بالنسبة لفريق مايلي الاقتصادي، تعد المعالجة السريعة للمشروع أولوية مطلقة. وتعتزم السلطة التنفيذية إقرار التشريع الجديد ودخوله حيز التنفيذ بحلول الأول من مارس/آذار، وهو التاريخ الذي يصادف افتتاح الجلسات العادية للكونغرس. ويعتبر الوفاء بهذا الموعد النهائي علامة على القدرة على الحكم والقوة السياسية أمام السوق المالية والمجتمع الدولي.
تفاصيل التغييرات في التشريعات
يُدخل الإصلاح الذي وافق عليه مجلس الشيوخ تغييرات مهمة على قانون عقد العمل، الذي يحكم علاقات العمل في الأرجنتين. ومن ركائز اللوائح الجديدة تمديد فترة الاختبار للموظفين الجدد. تم تحديد الفترة حاليًا بثلاثة أشهر، ويمكن تمديدها لمدة تصل إلى ثمانية أشهر، اعتمادًا على حجم الشركة، والتي، وفقًا للحكومة، ستوفر قدرًا أكبر من الأمان القانوني للشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم للتوظيف.
النقطة الحاسمة الأخرى في الاقتراح هي تعديل نظام التعويض عن الفصل التعسفي. وينص المشروع على إمكانية استبدال دفع غرامات إنهاء الخدمة بصندوق البطالة، المكون من اشتراكات شهرية من صاحب العمل، على غرار النموذج المتبع بالفعل في قطاع البناء. ويهدف هذا التغيير إلى القضاء على ما يسمى “صناعة القضاء”، وهو المصطلح الذي تستخدمه الحكومة لوصف الحجم الكبير للدعاوى العمالية التي تثقل كاهل القطاع الإنتاجي.
ويتناول النص أيضًا مسألة الإضرابات والإضرابات، ويفرض قيودًا على القطاعات التي تعتبر أساسية. وتتطلب اللائحة الجديدة الحفاظ على الحد الأدنى من الخدمات في مجالات مثل الصحة والتعليم والنقل خلال الاحتجاجات النقابية. ولّد هذا الإجراء رد فعل قويا من جانب النقابات العمالية، التي ترى في الاقتراح محاولة لإضعاف قدرة العمال على المساومة وتقييد الحق الدستوري في الإضراب.
وقد استقبل رجال الأعمال وممثلو القطاع الإنتاجي الموافقة بتفاؤل، مشددين على ضرورة تحديث القوانين التي يعتبرونها بالية. أعرب الاتحاد الصناعي الأرجنتيني عن دعمه للتغييرات، بحجة أن الجمود الحالي يمنع خلق وظائف رسمية جديدة. ومن ناحية أخرى، يحذر محامو العمل من أن عدم استقرار علاقات العمل قد لا يؤدي إلى زيادة في العمالة، بل إلى انخفاض في دخل العمال.
اشتباكات وتوتر في الشوارع
وبينما كان أعضاء مجلس الشيوخ يناقشون المشروع في الجلسة العامة، كان الجو خارج الكونجرس متوترًا للغاية. واحتل آلاف المتظاهرين، الذين دعتهم النقابات والحركات الاجتماعية والأحزاب اليسارية، الشوارع المجاورة للاحتجاج على الإصلاح. وتم تفعيل الجهاز الأمني الذي أقامته وزارة الأمن لاحتواء تقدم الحشود، مما أدى إلى وقوع اشتباكات مباشرة بين قوات الشرطة والناشطين.
واستخدمت الشرطة غاز الفلفل والرصاص المطاطي لتفريق المتظاهرين الذين حاولوا كسر الطوق الأمني. وتشير التقارير الواردة من منظمات حقوق الإنسان والصحافة المحلية إلى أنه كان هناك استخدام مفرط للقوة. وشمل رصيد الاضطرابات إصابة ما لا يقل عن سبعة من ضباط الأمن واحتجاز شخصين من قبل السلطات خلال لحظات الصراع الأكبر.
واشتدت الاشتباكات في وقت مبكر من المساء عندما بدأت أنباء الموافقة المحتملة تنتشر بين الحاضرين. واشتبكت المزيد من الجماعات المتطرفة مع قوات الدرك، التي ردت بشاحنات إطفاء الحرائق وأساليب التفريق. وتحولت الساحة أمام الكونجرس إلى ساحة معركة ضارية، حيث تم إلقاء النيران المرتجلة والحجارة على قوات النظام.
وانتقد قادة النقابات بشدة قمع الشرطة، ووصفوا الإجراء بأنه محاولة لإسكات أصوات العمال. ووعد الاتحاد العام للشغل، وهو أكبر اتحاد نقابي في البلاد، بمواصلة التعبئة ولم يستبعد الدعوة إلى إضراب عام إذا تمت الموافقة بشكل نهائي على القانون في مجلس النواب. وتبشر مقاومة الشوارع بأن تشكل تحدياً مستمراً لتنفيذ أجندة مايلي الإصلاحية.
التأثير على السيناريو الاقتصادي
وتعتبر الموافقة على الإصلاح العمالي جزءا أساسيا من خطة الاستقرار الاقتصادي التي وضعها وزير الاقتصاد. وتواجه الأرجنتين أزمة طويلة الأمد، مع ارتفاع معدلات التضخم وركود النشاط الإنتاجي. وتراهن الحكومة على أن تخفيف قوانين العمل سيكون بمثابة حافز للتعافي، وتشجيع إضفاء الطابع الرسمي على ملايين العمال الذين يعملون حاليا في الاقتصاد غير الرسمي.
وتشير البيانات الحديثة إلى أن حوالي 40% من القوى العاملة في الأرجنتين تعمل خارج السجلات الرسمية، دون الحصول على الحقوق الأساسية أو الضمان الاجتماعي. وترى إدارة مايلي أن خفض تكاليف التوظيف هو السبيل الوحيد لعكس هذا الوضع. ومن المتوقع أنه مع وجود قواعد أكثر وضوحا وأقل إرهاقا، ستشعر الشركات بالثقة في زيادة عدد موظفيها والاستثمار في التكنولوجيات الجديدة.
ويقدر الخبراء الاقتصاديون أن الإصلاح، رغم كونه ضروريا، لن يكون كافيا في حد ذاته لحل المشاكل البنيوية التي تعاني منها البلاد. ولا يزال الافتقار إلى استقرار الاقتصاد الكلي وندرة الاحتياطيات الدولية يشكلان عقبات كبيرة. ومع ذلك، فإن الإشارة إلى استعداد البلاد لتنفيذ إصلاحات هيكلية تعتبر إيجابية من قبل منظمات الائتمان المتعددة الأطراف، مثل صندوق النقد الدولي.
وينتظر قطاع الأعمال الصغيرة والمتوسطة، المسؤول عن معظم الوظائف في البلاد، بفارغ الصبر تطبيق القواعد الجديدة. وقد دافع الاتحاد الأرجنتيني للشركات المتوسطة (CAME) عن الحاجة إلى نظام متمايز يأخذ في الاعتبار واقع الشركات الصغيرة، التي غالبا ما تختنق بفِعل رسوم العمل التي لا تتناسب مع إيراداتها.
انقسامات في الحركة النقابية
كما كشف التقدم المحرز في الإصلاح عن وجود انقسامات داخل الحركة النقابية الأرجنتينية. وبينما يعد الجناح الأكثر قتالية بالمقاومة حتى العواقب الأخيرة، بدأت القطاعات الأكثر اعتدالا في النقابات حوارات سرية مع الحكومة للتفاوض على نقاط محددة في النص. وقد يؤدي هذا التقسيم الاستراتيجي إلى إضعاف القدرة على التعبئة ضد المشروع في المرحلة النهائية من الموافقة التشريعية عليه.
ويدرك بعض القادة النقابيين، من وراء الكواليس، الحاجة إلى تحديث جوانب معينة من التشريعات، وخاصة فيما يتعلق بالأشكال الجديدة للعمل الرقمي والعمل عن بعد. لكن الخوف هو أن يفسر فتح المفاوضات على أنه ضعف في مواجهة حكومة تتبنى موقف المواجهة المباشرة مع الشركات النقابية التقليدية.
وأظهر القطاع المعروف باسم “أوس غوردوس”، الذي يضم نقابات الخدمات والتجارة، استعدادا أكبر لمناقشة البدائل، على عكس الجناح الذي يقوده سائقو الشاحنات وموظفو البنوك. وتتم مراقبة هذا التشرذم عن كثب من قبل منظمة كازا روسادا، التي تسعى إلى عزل الجماعات الأكثر تطرفاً وبناء الجسور مع القادة الراغبين في قبول القواعد الجديدة للعبة.
الخطوات التالية في المجلس التشريعي
ومع موافقة مجلس الشيوخ، يتحول التركيز الآن إلى مجلس النواب، حيث ستحتاج الحكومة إلى صياغة اتفاقيات جديدة لضمان العقوبة النهائية للقانون. وتركيبة المجلس معقدة وحزب ميلي لا يتمتع بالأغلبية المطلقة، الأمر الذي سيتطلب مهارة سياسية للحفاظ على دعم الكتل المتحالفة والنواب المستقلين الذين صوتوا لصالحه في المراحل السابقة.
وتَعِد المعارضة، بقيادة البيرونية واليسار، بتكثيف العرقلة التشريعية وممارسة الضغوط على النواب المترددين. وتتضمن الإستراتيجية الدعوة لجلسات استماع عامة وتعبئة الرأي العام ضد المواد الأكثر حساسية في الإصلاح. الوقت عامل حاسم، حيث تريد الحكومة عرض القانون الجديد كغنيمة سياسية في بداية العام التشريعي.
ويتوقع المحللون السياسيون أسابيع من المفاوضات المحمومة في بوينس آيرس. والنتيجة النهائية لهذه المعركة التشريعية لن تحدد مستقبل علاقات العمل في الأرجنتين فحسب، بل وأيضاً قدرة خافيير مايلي على الحكم واستدامة مشروعه الطموح للتحول الاقتصادي الليبرالي.