أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، اليوم الجمعة، عن خطة اقتصادية مثيرة للجدل تهدف إلى فرض تعريفة عالمية بنسبة 10% على جميع الواردات الأجنبية، إذا عاد إلى قيادة البيت الأبيض. ويأتي هذا الإجراء كرد مباشر وفوري على الانتكاسة القانونية التي تعرضت لها إدارتها السابقة، حيث أبطل القضاء الآليات المستخدمة في فرض الضرائب العالمية. ويمثل هذا الإعلان بداية صراع جديد بين نوايا السلطة التنفيذية والقيود الدستورية التي تفرضها السلطات الأخرى في الجمهورية.
ويتجاهل اقتراح ترامب التفاهمات القانونية الأخيرة ويشير إلى استراتيجية عدوانية للحمائية، مما يضع السياسة التجارية في قلب المناقشة الانتخابية والاقتصادية. ويشير تصميم الجمهوري على المضي قدما في فرض الضرائب، حتى في مواجهة العقبات القانونية، إلى محاولة إعادة تحديد قواعد التجارة العالمية والسلطة الرئاسية على الحدود الاقتصادية للبلاد.
ويحذر الخبراء من أن تنفيذ مثل هذا الإجراء يمكن أن يؤدي إلى سلسلة من العواقب المباشرة على الاقتصاد المحلي والدولي، بما في ذلك:
– الارتفاع العام في أسعار السلع الاستهلاكية النهائية كالإلكترونيات والملابس.
– الضغوط التضخمية على سلسلة التوريد التي تعتمد على المدخلات الأجنبية؛
– ارتفاع مخاطر الانتقام التجاري من جانب الشركاء الاستراتيجيين مثل الاتحاد الأوروبي والصين؛
– احتمال إضفاء الطابع القضائي على هذا الإجراء، مما يخلق بيئة من عدم اليقين القانوني للمستثمرين.
حكم المحكمة العليا يعيد تشكيل السلطات
أصدرت المحكمة العليا في الولايات المتحدة حكما تاريخيا، بأغلبية ستة أصوات مقابل ثلاثة، يحد بشكل كبير من قدرة الرئيس على فرض تعريفات تجارية من جانب واحد. قامت المحكمة بتحليل قانون القوى الاقتصادية الدولية في حالات الطوارئ (IEEPA)، وهو التشريع الذي يستخدم غالبًا كأساس للعقوبات والرسوم، وخلصت إلى أن النص لا يمنح “تفويضًا مطلقًا” للسلطة التنفيذية للتشريع بشأن ضرائب الاستيراد دون موافقة الكونجرس.
وهذا التفسير القانوني يغير بشكل عميق ميزان القوى في واشنطن. فمن خلال تعزيز الامتياز التشريعي بشأن التجارة الخارجية، تؤسس المحكمة سابقة تلزم أي إدارة مستقبلية بالسعي إلى الحصول على توافق سياسي قبل تغيير سياسة التعريفات الجمركية. وينظر الحقوقيون إلى القرار باعتباره إعادة تأكيد للضوابط والتوازنات الدستورية، مما يمنع التقليل من أهمية حجة “الطوارئ الوطنية” لأغراض السياسة الاقتصادية الحمائية.
ومع ذلك، لا يبدو أن الحكم قد ردع ترامب. بل على العكس من ذلك، يشير خطاب الرئيس السابق إلى الاستعداد لمواجهة التفسير القضائي، مما يوحي بأن المراسيم أو الأوامر التنفيذية الجديدة سيتم تصميمها للتحايل على القيود المفروضة. ويرسم هذا سيناريو أزمة مؤسسية محتملة، حيث تصبح السياسة التجارية مسرحاً للنزاع حول توسيع السلطات الرئاسية.
التأثيرات المباشرة على الصناعة وعلى جيب المستهلك
إن تطبيق تعريفة خطية بنسبة 10٪ على جميع المنتجات التي تدخل الولايات المتحدة من شأنه أن يمثل صدمة تكلفة للصناعة الوطنية. وخلافاً للتعريفات الجمركية التي تركز على قطاعات محددة، مثل الصلب أو الألومنيوم، فإن المعدل العالمي يؤثر على كل شيء بدءاً من المواد الخام الأساسية إلى منتجات التكنولوجيا المتقدمة التي ليس لها نظير محلي. وستكون الشركات الأمريكية التي قامت بدمج سلاسل إنتاجها على مستوى العالم في العقود الأخيرة هي أول من يشعر بالتأثير، حيث ترى هوامش أرباحها تتقلص أو تضطر إلى نقل التكاليف.
بالنسبة للمستهلك النهائي، الرياضيات بسيطة وغير مواتية. تميل الزيادة في أسعار الواردات إلى أن تنتقل مباشرة إلى السعر الموجود على الرف. وسوف تخضع السلع اليومية، من الهواتف الذكية إلى الأطعمة المصنعة، لتعديلات، مما يفرض ضغوطا على التضخم ويؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للأسر. ويشير خبراء الاقتصاد إلى أن من عجيب المفارقات أن التدابير المصممة لحماية السوق الداخلية قد تنتهي في نهاية المطاف إلى معاقبة الطبقة العاملة على وجه التحديد، من خلال رفع تكاليف المعيشة بشكل شامل.
وقد أعربت قطاعات مثل البيع بالتجزئة بالفعل عن قلقها بشأن الاقتراح. فالاعتماد على المنتجات المستوردة للحفاظ على أسعار تنافسية مرتفع، والتغيير المفاجئ في هيكل التعريفات سوف يتطلب عملية إعادة تنظيم لوجستية معقدة ومكلفة. كما أن حالة عدم اليقين الناتجة عن هذا النوع من الإعلانات تؤدي إلى شل الاستثمارات طويلة الأجل، حيث تميل الشركات إلى انتظار الوضوح بشأن قواعد اللعبة قبل توسيع العمليات أو تعيين موظفين جدد.
خطر نشوب حرب تجارية عالمية
ويراقب المجتمع الدولي بقلق إمكانية تبني الولايات المتحدة لموقف انعزالي متطرف. يُظهِر التاريخ الاقتصادي الحديث أن التعريفات الأحادية الجانب نادراً ما تمر دون إجابة. ومن المرجح أن يفرض الشركاء التجاريون المتأثرون بالضريبة البالغة 10% هجمات مضادة من خلال فرض ضرائب على الصادرات الأمريكية مثل فول الصويا والطائرات والمعدات الصناعية. إن دورة الانتقام هذه، المعروفة باسم الحرب التجارية، لديها القدرة على تقليل حجم التجارة العالمية وإبطاء النمو الاقتصادي العالمي.
وسوف تصبح المنظمات المتعددة الأطراف، مثل منظمة التجارة العالمية، موضع شك. وتستند القواعد التي تحكم التجارة الدولية إلى القدرة على التنبؤ وعدم التمييز. ويتحدى اقتراح ترامب هذه المبادئ الأساسية، ويمكن أن يؤدي إلى إضعاف المؤسسات التي تتوسط في النزاعات الاقتصادية بين الدول. وستكون العزلة الدبلوماسية للولايات المتحدة من الآثار الجانبية المحتملة، مما يجعل من الصعب بناء تحالفات في مجالات استراتيجية أخرى، مثل الأمن والبيئة.
ومع ذلك فإن خطاب الحماية يتردد صداه لدى جزء من الناخبين الذين يشعرون بالضرر بسبب العولمة. ويشكل الوعد بتنشيط التصنيع المحلي من خلال الحواجز التجارية ركيزة أساسية لبرنامج ترامب السياسي. وعلى هذا فإن المناقشة تتجاوز الاقتصاد وتدخل مجال الهوية الوطنية والسيادة، حيث تفقد الحجج الفنية حول كفاءة السوق المساحة أمام الجاذبية السياسية المتمثلة في الدفاع عن الصناعة المحلية.
التحديات التي تواجه تنفيذ هذا الإجراء
وحتى في ظل الإرادة السياسية التي تتمتع بها السلطة التنفيذية، فإن الطريق إلى تحويل وعد الحملة الانتخابية إلى واقع أمر ملتوي. إن القرار الأخير الذي اتخذته المحكمة العليا بمثابة تذكير بأن النظام القانوني الأميركي يتمتع بآليات قوية لتحدي تجاوزات السلطة التنفيذية. وأي محاولة لفرض التعريفة العالمية ستواجه وابلًا فوريًا من الدعاوى القضائية، التي يرفعها كل من المعارضين السياسيين وجمعيات الأعمال المتضررة من هذا الإجراء.
وسوف يلعب الكونجرس، بعد أن أعادت السلطة القضائية تأكيد سلطته، دوراً حاسماً. ومن أجل تنفيذ التعريفة البالغة 10% بطريقة آمنة ودائمة، سيكون من الضروري الموافقة على تشريع جديد. وبالنظر إلى الاستقطاب السياسي في واشنطن، فإن الموافقة على إصلاح التعريفة الجمركية بهذا الحجم ستتطلب رأس مال سياسي هائل ومفاوضات مستنفدة، وهو أمر غير مضمون حتى في سيناريو الفوز الانتخابي.
وبالتالي، لا بد من تحليل اقتراح ترامب ليس فقط باعتباره خطة اقتصادية، بل كاختبار إجهاد للمؤسسات الديمقراطية الأميركية. إن الكيفية التي سيتطور بها هذا النزاع لن تحدد أسعار المنتجات في المتاجر فحسب، بل وأيضاً مستقبل العلاقات التجارية للولايات المتحدة مع العالم ومدى السلطة التي يستطيع الرئيس أن يمارسها على الاقتصاد الوطني.

