ووضعت الحكومة الإسبانية حدودا واضحة لتعاونها العسكري مع واشنطن من خلال رفض السماح باستخدام المنشآت الموجودة على أراضيها في الهجوم ضد طهران. تم الإعلان عن القرار علنًا يوم الاثنين الموافق 2 مارس، مما يمثل خروجًا كبيرًا عن الاستراتيجيات التي تبنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في أزمة الشرق الأوسط الحالية. وتبني الإدارة الإسبانية موقفها على ضرورة الحفاظ على الاستقرار العالمي وتجنب تصعيد العنف الذي تعتبره غير متناسب.
ويغطي الرفض قواعد الاستخدام المشترك في روتا ومورون، وهي بنى تحتية استراتيجية كانت تاريخياً بمثابة دعم لوجستي لعمليات أمريكا الشمالية في المنطقة. وبحسب الموقف الرسمي لمدريد، فإن المشاركة في هذه الأعمال تنتهك مبادئ الشرعية الدولية التي تدافع عنها البلاد، والتي تصنف التدخل الحالي بأنه خطير ولا مبرر له بموجب ميثاق الأمم المتحدة. إن منع استخدام هذه المرافق يفرض عقبة لوجستية على القوات المتحالفة، مما يفرض إعادة تعديل الطرق والاستراتيجيات العملياتية.
ويعزز هذا التصميم استقلالية السياسة الخارجية الإسبانية داخل منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو). وبينما يسعى الشركاء الأوروبيون الآخرون إلى مواءمة إجراءاتهم الدفاعية مع المبادرات الأمريكية، تختار إسبانيا موقفا حاسما، تحذر من مخاطر نشوب صراع واسع النطاق. يعكس هذا الإجراء قلقًا عميقًا بشأن العواقب الإنسانية والجيوسياسية المترتبة على حرب مفتوحة في المنطقة، مع إعطاء الأولوية لاحترام الأطر التنظيمية الدولية على الانحياز العسكري التلقائي.
الدفاع عن الشرعية الدولية
وكان وزير الخارجية، خوسيه مانويل ألباريس، حاسما في شرح أسباب الرفض الإسباني. وشدد المستشار في تصريحاته على أن الاتفاقيات الثنائية القائمة مع الولايات المتحدة لا تنص على استخدام الأراضي الإسبانية لعمليات من هذا النوع. وشدد ألباريس مجددا على أن أي عمل عسكري قادم من إسبانيا يجب أن يتماشى بشكل صارم مع أهداف السلام والأمن التي تصورتها الأمم المتحدة، وهي شروط، من وجهة نظر مدريد، لم يتم تلبيتها في الهجوم الحالي الذي يقوده دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو.
واستكملت وزيرة الدفاع مارجريتا روبلز الموقف الدبلوماسي بضمانات تشغيلية. وأكدت أنه لم تشارك أو ستشارك أي بنية تحتية عسكرية خاضعة للسيادة الإسبانية في الهجمات، مما يحافظ على التزام البلاد بعدم التدخل في النزاعات التي تفتقر إلى الإجماع المتعدد الأطراف. وشدد روبلز على أن السيادة الوطنية غير قابلة للتفاوض وأن دعم الحلفاء لا يمكن أن يتجاوز الامتثال للقانون الدولي، مما يرسل رسالة حزم إلى شركاء حلف الأطلسي.
وعلى الرغم من الخطاب الحازم في الدفاع عن الديمقراطية والحقوق الأساسية للشعب الإيراني، فإن الحكومة الأسبانية ترسم خطاً فاصلاً بين الدعم السياسي للتغييرات الديمقراطية والتدخل العسكري المباشر. ويشكل هذا الفارق الدقيق أهمية مركزية في دبلوماسية بيدرو سانشيز، التي تسعى إلى وضع إسبانيا كوسيط ذي مصداقية ومدافع عن الحوار، وتجنب التصرفات التي يمكن تفسيرها على أنها عدوان غير مشروع أو تساهم في زعزعة الاستقرار الإقليمي.
سيناريو أوروبي منقسم
ويتناقض القرار الإسباني مع تحرك القوى الأوروبية الأخرى في مواجهة تصاعد الصراع. وأظهرت المملكة المتحدة، بقيادة رئيس الوزراء كير ستارمر، في البداية تردداً مماثلاً، فعرقلت استخدام القواعد في دييغو جارسيا بسبب مخاوف قانونية. ومع ذلك، تغيرت الديناميكية بعد الضربات الانتقامية الإيرانية التي استهدفت المصالح البريطانية في قبرص، مما دفع لندن إلى مراجعة موقفها والانضمام بشكل أوثق إلى عمليات الدفاع والهجوم المضاد المنسقة مع فرنسا وألمانيا.
وتواجه ألمانيا من جانبها ما وصفه المستشار فريدريش ميرز بالمعضلة المعقدة. وعلى الرغم من أن برلين تشاركها المخاوف بشأن البرنامج النووي الإيراني والقمع الداخلي في الدولة الفارسية، إلا أن الحكومة الألمانية تحاول الموازنة بين التضامن مع الحلفاء والحكمة الدبلوماسية. وتجنب ميرز الانتقادات الصريحة للعمليات العسكرية، مما يشير إلى فهم ضمني لأهداف الشركاء، ولكن من دون العداء الصريح الذي أظهرته القيادة الإسبانية، وتسليط الضوء على التوجهات المختلفة داخل الكتلة الأوروبية.
وأشار البيان المشترك الصادر عن المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا في أعقاب الهجمات الإيرانية إلى الاستعداد لاتخاذ إجراءات دفاعية قوية تهدف إلى تحييد قدرات طهران الهجومية. وهذه الجبهة الموحدة من ثلاثة من أكبر الاقتصادات في أوروبا تضع موقف إسبانيا في موقف واضح للغاية، وتسلط الضوء على الخلافات الداخلية حول كيفية التعامل مع العدوانية الإيرانية والرد العسكري الغربي. ويكشف تشتت الاستجابات الأوروبية مدى تعقيد عملية الحفاظ على سياسة خارجية متماسكة في أوقات الأزمات الحادة.
الضغط عبر القنوات الدبلوماسية
ووسط التوترات العسكرية، يواصل الاتحاد الأوروبي، ممثلا برئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، الإصرار على ضرورة التوصل إلى حل سياسي دائم. وتتمسك الكتلة الأوروبية بالخطاب القائل بأن الدبلوماسية يجب أن تكون القناة المفضلة لحل النزاعات، محذرة من مخاطر الحل العسكري البحت. وتتحرك بروكسل لإعداد الدول الأعضاء لمواجهة العواقب الاقتصادية والاجتماعية للصراع الذي طال أمده، بينما تحاول إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة.
ومع ذلك، فإن الواقع اللوجستي يظهر الترابط بين العمليات العالمية. وتشير مراقبة الحركة الجوية إلى أنه على الرغم من حظر الهجمات المباشرة من إسبانيا، فإن الطائرات العسكرية الأمريكية تواصل العبور عبر المنطقة، وغالباً ما تتجه إلى قواعد في ألمانيا، مثل رامشتاين. وهذا يوضح أنه حتى مع القيود السياسية التي يفرضها الحلفاء الأفراد، فإن آلة الحرب الأمريكية لديها فائض يسمح باستمرار العمليات، حتى مع تغيير الطرق.
ويؤكد موقف بيدرو سانشيز من جديد صورته كواحد من أكثر الأصوات استقلالية في أوروبا اليوم، وعلى استعداد لمواجهة الحلفاء التقليديين باسم المبادئ القانونية والإنسانية. ومن خلال انتقاد الحرب في غزة والتدخل الحالي في إيران، يعزز الزعيم الإسباني عقيدة السياسة الخارجية التي تعطي الأولوية لخفض التصعيد والتعددية، متحدية منطق المواجهة المباشرة الذي ساد في القرارات الأخيرة التي اتخذتها واشنطن وتل أبيب.

