يحدد تلسكوب جيمس ويب الغازات الحيوية الموجودة على كوكب خارجي K2-18b، على بعد 124 سنة ضوئية من الأرض

James Webb

James Webb - Foto: muratart/shutterstock.com

أكدت وكالة الفضاء الأمريكية الشمالية اكتشافا مهما يتعلق بالغلاف الجوي لجرم سماوي بعيد عن نظامنا الشمسي. التقطت أحدث معدات المراقبة بالأشعة تحت الحمراء بصمات كيميائية غير عادية من مسافة مائة وأربعة وعشرين سنة ضوئية. وتشير البيانات إلى وجود عناصر ترتبط ارتباطا وثيقا في البيئة الأرضية بالنشاط البيولوجي.

هدف الرصد هو عالم مُصنف على أنه كوكب أرض خارق محتمل أو كوكب نبتون صغير، يدور حول نجم قزم أحمر في كوكبة الأسد. كشفت التحليلات الطيفية عن تركيزات ملحوظة من الميثان وثاني أكسيد الكربون. ويعزز غياب الأمونيا الفرضية القائلة بأن الجرم السماوي قد يأوي محيطًا شاسعًا من الماء السائل تحت جو غني بالهيدروجين.

https://twitter.com/astronomiaum/status/1912870413018734963?ref_src=twsrc%5Etfw

وكانت التفاصيل التي لفتت انتباه الباحثين أكثر من غيرها هي الاكتشاف الأولي لجزيء محدد يسمى ثنائي ميثيل كبريتيد. في النظام البيئي الأرضي، يتم إنتاج هذه المادة بشكل حصري تقريبًا عن طريق الكائنات الحية، وتحديدًا العوالق النباتية الموجودة في البيئات البحرية. إن تأكيد هذا المركب لديه القدرة على تغيير اتجاه علم الأحياء الفلكي الحديث وتوجيه مهام استكشاف جديدة.

الخصائص الجوية والهيكلية للجرم السماوي

يمتلك العالم الذي تم تحليله حديثًا كتلة أكبر بحوالي تسع مرات من كتلة كوكبنا، مما يضعه في فئة متوسطة نادرة في علم الفلك الرصدي. يشير هذا التصنيف الهيكلي إلى جاذبية سطحية أقوى بكثير، قادرة على احتجاز طبقة كثيفة من الغازات على مدى العصور الجيولوجية. تخلق التركيبة الغنية بالهيدروجين تأثيرًا طبيعيًا للاحتباس الحراري يحافظ على درجات الحرارة عند مستويات قد تكون مناسبة للكيمياء المعقدة.

يعد الموقع المداري للنجم عاملاً محددًا للظروف المناخية المسجلة بواسطة أدوات القياس. ويدور حول نجمه المضيف داخل ما يسمى بالمنطقة الصالحة للسكن، وهي منطقة يسمح فيها الإشعاع النجمي بوجود الماء السائل على السطح. النجم القزم الأحمر، على الرغم من أنه أكثر برودة وأصغر من شمسنا، فإنه يوفر طاقة حرارية وخفيفة كافية للحفاظ على ديناميكيات الغلاف الجوي النشطة.

تشير النماذج النظرية المطبقة على البيانات الأولية إلى وجود عالم من نوع الهيسين، يعرض المؤشرات الرئيسية التالية: – درجات حرارة جوية عالية يتم الحفاظ عليها عن طريق الاحتفاظ بالحرارة؛ – الأسطح التي يحتمل أن تغطيها المحيطات العالمية دون وجود قارات مكشوفة؛ – أغلفة غازية كثيفة تحمي السطح من الإشعاع الفضائي الضار. وتعتبر هذه البيئات مختبرات طبيعية مثالية للبحث عن البصمات الكيميائية خارج المجموعة الشمسية.

تمثل التفاعلات الكيميائية بين المحيط العالمي المفترض والغلاف الجوي الغني بالهيدروجين محور التركيز الرئيسي لعمليات المحاكاة الحاسوبية الحالية. يقدر العلماء أن التفاعل بين الماء السائل والغازات الجوية يمكن أن يسهل التفاعلات المستمرة. يشير الوجود المتزامن للميثان وثاني أكسيد الكربون إلى خلل في التوازن الكيميائي يتطلب مصدرًا متواصلًا للتجديد لمنعه من التبدد.

منهجية التحليل الطيفي العابر التطبيقية

لم يكن التقاط هذه التوقيعات الكيميائية ممكنًا إلا بفضل التقنية المتقدمة للتحليل الطيفي العابر، وهي طريقة تحلل ضوء النجوم المفلتر. وعندما يمر الكوكب أمام نجمه المضيف، يمر جزء صغير من الضوء عبر الغلاف الجوي للكوكب قبل مواصلة رحلته عبر الفضاء الخارجي إلى مرايا المرصد. تمتص الجزيئات المختلفة أطوال موجية محددة من ضوء الأشعة تحت الحمراء، مما يترك رمزًا شريطيًا داكنًا في طيف الضوء الذي تلتقطه أجهزة الاستشعار. ويمكن للأدوات عالية الدقة فصل هذا الضوء إلى الألوان المكونة له، مما يسمح للعلماء بتحديد الغازات الموجودة في الطبقة الغازية للكوكب الخارجي بدقة بمستوى من التفصيل غير مسبوق في تاريخ استكشاف الفضاء.

إن حساسية أجهزة الأشعة تحت الحمراء الحالية تتجاوز قدرة معدات الجيل السابق بمقاييس عديدة، مما يسمح باكتشاف الجزيئات بتركيزات صغيرة. ركز التحليل على نطاق الأشعة تحت الحمراء القريب والمتوسط، حيث تظهر المركبات المعتمدة على الكربون والكبريت أقوى علامات الامتصاص وأكثرها وضوحًا. تتطلب عملية فك تشفير هذه الإشارات أشهرًا من المعالجة الحسابية لفصل الضوضاء الآلية والتداخل النجمي عن البيانات الفعلية من الغلاف الجوي الكوكبي. يضمن التحقق المتبادل بين الأجهزة المختلفة الموجودة على متن نفس القمر الصناعي سلامة النتائج، مما يقلل من احتمالية النتائج الإيجابية الخاطئة التي تحدث غالبًا في عمليات رصد الأهداف البعيدة.

دور ثنائي ميثيل كبريتيد في البحوث

يمثل التحديد المحتمل لكبريتيد ثنائي ميثيل النقطة الأكثر إثارة للاهتمام في حملة المراقبة الفلكية الأخيرة بأكملها. وهو مركب عضوي متطاير، في كيمياء الأرض، ليس له مصادر جيولوجية أو غير حيوية على نطاق واسع. ويتطلب وجودها المستمر في الغلاف الجوي آلية إنتاج ثابتة لتحل محل الجزيئات التي يدمرها الإشعاع النجمي اليومي.

ويؤكد خبراء كيمياء الغلاف الجوي أن الكشف لا يزال يعتبر أوليًا ويتطلب المزيد من التحقق الدقيق. الإشارة الملتقطة في أطياف الضوء باهتة وتتداخل جزئيًا مع بصمات غازات أخرى أكثر وفرة في غلاف الكوكب. وقد طلب فريق البحث بالفعل وقتًا إضافيًا لتشغيل المعدات للتركيز بشكل خاص على الأطوال الموجية حيث يمتص كبريتيد ثنائي ميثيل الضوء بطريقة أكثر عزلة.

إذا تم تأكيد وجود الجزيء بشكل لا يقبل الجدل، فسيحتاج علماء الأحياء الفلكية إلى التحقق مما إذا كانت العمليات غير العضوية غير المعروفة يمكنها توليد المركب في ظل الظروف القاسية لعالم الهيسين. يخلق الضغط الجوي المرتفع والكيمياء القائمة على الهيدروجين بيئة تفاعلية مختلفة تمامًا عن النمط الأرضي المعروف. يعد استبعاد جميع المصادر اللاأحيائية المحتملة خطوة إلزامية قبل تقديم أي بيان نهائي حول بيولوجيا خارج كوكب الأرض.

التحديات التقنية في تفسير البيانات الطيفية

يحافظ المجتمع العلمي على موقف الحذر الشديد عند تحليل النتائج من عوالم تقع على مسافات بين النجوم، وذلك بسبب التعقيد المتأصل في قراءة أطياف الإرسال. يمكن لضجيج الخلفية الناتج عن أجهزة الاستشعار الإلكترونية الخاصة بالمعدات، بالإضافة إلى التغيرات الطبيعية في لمعان النجم القزم الأحمر، أن يخلق تقلبات في البيانات التي تحاكي وجود بعض الجزيئات النادرة. علاوة على ذلك، فإن فيزياء السحب والضباب الكيميائي الضوئي في طبقات الغلاف الجوي العليا للكوكب الخارجي غالبًا ما تحجب الإشارات الكيميائية القادمة من الطبقات السفلية، مما يؤدي إلى تسطيح الطيف ويجعل من الصعب تحديد كمية الغازات بدقة. وتستند نماذج النقل الإشعاعي المستخدمة لتفسير هذه الملاحظات إلى البيانات المختبرية التي تم الحصول عليها في ظل الظروف الأرضية، مما يقدم هامشًا من عدم اليقين عند تطبيقها على بيئات غريبة ذات ضغوط ودرجات حرارة مختلفة جذريًا. يتطلب التحقق من صحة هذه النتائج جهدًا تعاونيًا دوليًا، يتضمن فرقًا مستقلة متعددة تعالج نفس البيانات الأولية باستخدام خوارزميات مختلفة للتحقق من وصولها إلى نفس الاستنتاجات الكيميائية. تعد هذه الدقة المنهجية ضرورية لتجنب الإعلانات المبكرة وضمان تقدم الفيزياء الفلكية الرصدية على أساس متين وقابل للتحقق.

التخطيط لحملات المراقبة المستقبلية

يتضمن جدول عمليات المرصد الفضائي بالفعل نوافذ مراقبة جديدة مخصصة حصريًا لهذا النظام الكوكبي المحدد. يخطط المهندسون لاستخدام أوضاع تشغيل مختلفة لأجهزة قياس الطيف للحصول على دقة طيفية أعلى وأكثر نظافة. الهدف الأساسي هو الفصل النهائي لخطوط امتصاص كبريتيد ثنائي الميثيل عن التداخل الناجم عن وفرة الميثان في المنطقة.

بالتوازي مع عمليات الرصد الفضائية، تجري مختبرات كيمياء الضغط العالي تجارب فيزيائية لمحاكاة الظروف عند السطح البيني للمحيط والغلاف الجوي للنجم. تهدف هذه الاختبارات العملية إلى اكتشاف ما إذا كانت التفاعلات الجيوكيميائية التي تتضمن فتحات حرارية مائية تحت الماء يمكنها تصنيع المركبات المرصودة دون الحاجة إلى تدخل بيولوجي. وستوفر نتائج هذه التجارب الأرضية الأساس اللازم لتفسير البيانات التي ستستمر في الوصول من أجهزة الاستشعار المدارية.

التقدم في الأجهزة الفلكية

إن القدرة على تشريح كيمياء هذا العالم البعيد توضح القفزة التكنولوجية التي حققتها الهندسة البصرية الحديثة والتطبيقية. لا تؤدي البيانات المجمعة إلى توسيع قائمة الأغلفة الجوية المعروفة للكواكب الخارجية فحسب، بل تعمل أيضًا على تحسين تقنيات البحث التي سيتم تطبيقها على أهداف أصغر حجمًا وأكثر تشابهًا مع كوكبنا في العقود القادمة من استكشاف أعماق الكون.