كشف روبوت الاستكشاف كيوريوسيتي، التابع لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا، عن وجود مزيج متنوع من الجزيئات العضوية في تربة كوكب المريخ. ومن بين المواد التي تم العثور عليها مركبات كيميائية تعتبر على نطاق واسع “اللبنات الأساسية” لأصل الحياة على الأرض، مما يقدم رؤى جديدة حول ماضي الكوكب الأحمر.
إن التعرف على أكثر من 20 مركبًا عضويًا هو نتيجة تجربة كيميائية غير مسبوقة أجرتها المركبة، والتي توفر أدلة حاسمة حول قدرة المريخ على إيواء الحياة في العصور البعيدة. وتشير النتائج إلى أن سطح المريخ لديه القدرة على الحفاظ على أنواع الجزيئات التي يمكن أن تشير إلى وجود حياة قديمة، خاصة بسبب وجود دورات النيتروجين غير المتجانسة، والتي تعد الأساس لتكوين الأحماض النووية، مثل DNA وRNA.
الجزيئات الضرورية لتكوين الحياة
ويشير اكتشاف هذه المكونات في الصخور المريخية إلى أن “المكونات” الأساسية للحياة، كما نعرفها، كانت موجودة على الكوكب وتم الحفاظ عليها مع مرور الوقت. وهذا لا يعني تأكيدًا لحياة سابقة، بل يعني أن ظروف ظهورها كانت مواتية. وينظر علماء ناسا إلى توصيف المواد العضوية باعتباره ركيزة أساسية في استكشاف الصالحية للسكن والبحث المستمر عن علامات الحياة في عوالم أخرى.
وتسلط الدراسة الضوء على أن وجود جزيئات عضوية معقدة، في حد ذاته، لا يؤكد إلا أن المريخ يمتلك العناصر الضرورية لاستمرار الحياة، دون تأكيد وجوده في الماضي. إن تأكيد الحياة الميكروبية القديمة، إن وجدت، سيتطلب تحليلًا مباشرًا لعينات الصخور في المختبرات الأرضية.
الأدلة المحفوظة في غيل كريتر
تم التعرف على الجزيئات في الحجارة الرملية الغنية بالطين الموجودة في منطقة غيل كريتر. ويقدر العلماء أن عمر هذه التكوينات الجيولوجية يبلغ حوالي 3.5 مليار سنة. وتعد القدرة على الحفاظ على هذا التنوع الكيميائي، حتى في مواجهة الإشعاع الفضائي والعمليات الجيولوجية المكثفة التي جرت على مدى مليارات السنين، نقطة أساسية في هذا الاكتشاف.
تم جمع العينات التي تم تحليلها في رواسب من البحيرات والأنهار القديمة التي كانت موجودة في منطقة غيل كريتر. تعتبر البيئات ذات التركيز العالي من الطين مثالية لتراكم المواد العضوية والحفاظ عليها على مدى فترات طويلة. ويعزز هذا العامل النظرية القائلة بأن الكوكب كان يتمتع بظروف بيئية مواتية للحياة في الماضي البعيد. تم نشر المقال مع النتائج يوم الأربعاء 21 في مجلة Nature Communications.
التحدي لتأكيد الحياة خارج كوكب الأرض
على الرغم من الإثارة التي أحاطت بالنتائج، فإن تجربة كيوريوسيتي لها حدود. ولا تسمح التكنولوجيا الحالية للمركبة بالتمييز بين ما إذا كانت المركبات العضوية التي تم العثور عليها تأتي من حياة سابقة محتملة على المريخ أو ما إذا كانت قد تشكلت من خلال عمليات جيولوجية وكيميائية دون تدخل الكائنات الحية، في عملية تعرف باسم الإنتاج اللاأحيائي. تعتبر النيازك التي وصلت إلى سطح المريخ أيضًا مصدرًا محتملاً للمواد العضوية.
ولتعزيز الفهم والتحقق مما إذا كانت الجزيئات هي بالفعل آثار للحياة، يؤكد الباحثون على ضرورة إرسال عينات صخرية لتحليلها على الأرض. فقط مع تطور المختبرات الأرضية سيكون من الممكن إجراء اختبارات حاسمة يمكن أن تميز بين الأصول الحيوية وغير الحيوية لهذه المركبات. وتشير إيمي ويليامز، أستاذة العلوم الجيولوجية في جامعة فلوريدا والعالمة في بعثتي كيوريوسيتي آند بيرسيفيرانس على المريخ، إلى أن وجود أدلة على الحفاظ على المواد العضوية القديمة أمر ضروري لتقييم صلاحية البيئة للبحث عن علامات الحياة على شكل كربون عضوي محفوظ.
مهمة كيوريوسيتي المستمرة إلى المريخ
تم إطلاق المركبة الفضائية كيوريوسيتي، التي أطلق عليها العلماء لقبها، في عام 2011 وهبطت في غيل كريتر في عام 2012. وهي جزء من مهمة مختبر علوم المريخ وهي أكبر روبوت استكشاف يتم إرساله إلى الكوكب على الإطلاق. هدفها الرئيسي هو الإجابة على سؤال أساسي: “هل كان لدى المريخ الظروف البيئية المناسبة لدعم أشكال الحياة الصغيرة؟”
منذ بداية تشغيله، استخدم كيوريوسيتي أدواته لجمع الأدلة الكيميائية والمعدنية التي تشير إلى أن المريخ استضاف بيئات صالحة للسكن في ماضيه. يواصل الروبوت استكشاف السجل الصخري للكوكب، ويحقق في الفترة التي كان من الممكن أن يدعم فيها العالم المجاور الحياة الميكروبية. وأجريت أحدث تجربة، كشفت عن جزيئات عضوية، في عام 2020، في منطقة غلين توريدون، داخل فوهة غيل.
تم اكتشاف مركبات عضوية جديدة
من بين أكثر من 20 مادة كيميائية تم تحديدها بواسطة كيوريوسيتي، تبرز بعض النتائج المهمة التي تعمق فهم تكوين المريخ.
- جزيء مع النيتروجين:اكتشف المسبار جزيئًا يحتوي على النيتروجين وله بنية مشابهة لسلائف الحمض النووي. وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تحديد مادة كيميائية بهذه الخاصية على المريخ، مما يمثل تقدمًا كبيرًا.
- البنزوثيوفين:كما تم التعرف على مادة البنزوثيوفين، وهي مادة كيميائية كبريتية تتكون من حلقتين. غالبًا ما يوجد هذا المركب في النيازك، مما يشير إلى أن بعض المواد العضوية للمريخ ربما وصلت إلى الكوكب من خلال التأثيرات الكونية.
وتضيف العالمة إيمي ويليامز، في مذكرة أصدرتها جامعة فلوريدا، أن نفس نوع المادة التي “أمطرت” على المريخ من النيازك هي التي سقطت على الأرض. وتشير إلى أن هذا على الأرجح قد وفر اللبنات الأساسية لظهور الحياة على كوكبنا، مما يعزز العلاقة بين كيمياء الكواكب والتطور البيولوجي.

