اكتشف العلماء أبعد ثقب أسود خامل تم تسجيله على الإطلاق، والذي فقدت أصوله في الكون المبكر.
لفهم المراحل الأولية للكون، غالبًا ما يراقب علماء الفلك النجوم الزائفة، وهي عبارة عن ثقوب سوداء فائقة الكتلة تنشط بكامل طاقتها في استهلاك المادة، وتصدر لمعانًا شديدًا. ومع ذلك، فإن هذه الظواهر المذهلة لا تحكي القصة كاملة. والآن، يوفر التعرف على أبعد ثقب أسود خامل معروف لمحة فريدة عن كيان كوني هائل توقف عن النشاط.
وحدد فريق البحث العالمي، بمشاركة علماء من جامعة كوليدج لندن (UCL)، هذا الثقب الأسود في المجرة MRG-M0138، التي تقع على مسافة أكثر من 10 مليارات سنة ضوئية من كوكبنا. هذه النتيجة، المفصلة في مجلة ساينس، تتجاوز المسافة القياسية لثقب أسود غير نشط بمقدار خمسة عشر مرة.
مع كتلة تقدر بحوالي 6 مليارات مرة كتلة الشمس، يمكن رؤية هذا الثقب الأسود في وقت كان عمر الكون فيه 3 مليارات سنة فقط. في حين أن النجوم الزائفة النشطة تقدم أدلة حول النمو المتسارع، فإن وجود عملاق نائم يكشف عن المراحل الأكثر هدوءًا، مما يوفر فرصة فريدة لاستكشاف التطور المشترك للثقوب السوداء الضخمة والمجرات المضيفة لها في المراحل المبكرة من الكون.
لحساب الكتلة الهائلة، استخدم الباحثون بيانات من تلسكوب جيمس ويب الفضائي التابع لناسا (JWST)، ورسموا بدقة إزاحات النجوم التي تدور حول الجسم، والتي لولا ذلك لكانت غير محسوسة. على الرغم من أن هذه التقنية، المعروفة باسم الديناميكيات النجمية، قد تم استخدامها بالفعل لقياس الثقوب السوداء غير النشطة في المجرات القريبة، إلا أن هذا هو أول تطبيق ناجح على مثل هذه المسافة الهائلة في الكون.
وسلط البروفيسور ريتشارد إليس، قائد الدراسة وعضو قسم الفيزياء وعلم الفلك في جامعة كاليفورنيا، الضوء على أهمية هذا الاكتشاف. وأوضح أن “تحليل الحركة الجماعية للنجوم في مركز هذه المجرة النائية مكّن من قياس كتلة ثقبها الأسود الهائل، وهو أمر كان من المستحيل اكتشافه لولا ذلك”. وأضاف أنه “من خلال إثبات إمكانية تطبيق هذا النهج على المجرات في الكون المبكر، فإنه يفتح الطريق أمام دراسة أكثر تعمقا لتطور الثقوب السوداء مع مرور الوقت وتأثيرها على تطور المجرات”.
افهم كيف تم حساب كتلة الثقب الأسود غير المرئي
بحكم طبيعتها، لا تشع الثقوب السوداء الضوء مباشرة، لكن الغاز الذي تلتقطه يمكن أن يطلق كميات هائلة من الطاقة الإشعاعية. تُعد هذه النقاط ذات اللمعان الشديد، والمعروفة بالنوى المجرية النشطة أو النجوم الزائفة، من بين ألمع النقاط في الكون ويسهل اكتشافها نسبيًا.
على عكس النجوم الزائفة، فإن الثقب الأسود الهائل الموجود في المجرة MRG-M0138 في حالة من عدم النشاط. وبدون تساقط الغاز نحوه في هذا الوقت، لم يكن اكتشافه من قبل علماء الفلك ممكنا إلا من خلال مراقبة تأثير الجاذبية التي تمارس على النجوم المجاورة له.
ومن خلال تحليل أنماط الحركة المترافقة للنجوم التي تحيط بنواة المجرة، أكد الفريق وجود الثقب الأسود وتمكن من تقدير كتلته. إن التباين في السرعات بين النجوم الأقرب إلى الثقب الأسود وتلك الأبعد عنه يوفر العناصر الحاسمة لهذا القياس.
تعكس هذه المنهجية تلك المستخدمة لتحديد كتلة الثقب الأسود الموجود في قلب مجرة درب التبانة، ومجرتنا، وكذلك في المجرات الأخرى القريبة. ومع ذلك، يمثل هذا التطبيق الافتتاحي لجرم سماوي يقع على هذه المسافة غير العادية. في السابق، كان أبعد جسم مجري تم فحصه بهذه التقنية يبعد حوالي 700 مليون سنة ضوئية.
كيف مكنت عدسة الجاذبية اكتشافًا تاريخيًا
في العادة، فإن مراقبة الحركات النجمية في مثل هذه المجرة البعيدة ستكون مهمة غير مجدية. وقد تغلب العلماء على هذه الصعوبة من خلال توظيف ظاهرة عدسة الجاذبية التي تعمل بمثابة تضخيم كوني طبيعي.
مجرة وسيطة، تقع بين الأرض وMRG-M0138، تعمل عن طريق ثني وإعادة توجيه الضوء القادم من المجرة البعيدة، مما أدى إلى تكبير صورتها ثلاثين مرة. سمحت هذه الميزة للباحثين بإعادة بناء التكوين الداخلي للمجرة بدقة لم يكن من الممكن تحقيقها لولا ذلك.
وقد علق الدكتور أندرو نيومان، المؤلف الرئيسي في مركز كارنيجي للعلوم في باسادينا، كاليفورنيا، على هذه الطريقة. وذكر أن “دمج بيانات تلسكوب جيمس ويب الفضائي مع تأثير عدسة الجاذبية سمح لنا بالتعمق في منطقة تأثير الثقب الأسود، حيث تعمل قوة الجاذبية على تسريع النجوم”. ومضى نيومان في وصفها بأنها “واحدة من أكثر التقنيات فعالية لدينا لقياس كتلة الثقب الأسود، مما جعلنا متحمسين لتطبيقها حتى الآن في تاريخ الكون”. في السابق، لم يتم تحديد سوى عدد قليل من الثقوب السوداء غير النشطة بهذا الحجم، وتقع جميعها بالقرب من كوكبنا بشكل ملحوظ.
رؤى جديدة في تطور المجرات من خلال الاكتشاف
يقدم هذا الاكتشاف أدلة مهمة حول التطور المشترك للمجرات والثقوب السوداء المركزية في العصور المبكرة للكون. على الرغم من أن عمليات رصد المجرات المجاورة أظهرت وجود علاقة قوية بين كتلة المجرة وكتلة الثقب الأسود، إلا أن العلماء ما زالوا بحاجة إلى مزيد من المعلومات من المراحل الكونية الأقدم لكشف نشأة هذا الترابط.
ووجدت مجموعة الدراسة أن الثقب الأسود والمجرة المضيفة له غير نشطين. لم تعد المجرة تولد نجومًا جديدة، مما أدى إلى افتراض أن MRG-M0138 ربما استضاف كوازارًا شديد الإضاءة في الماضي البعيد. وتتلخص فرضية الباحثين في أن النمو السريع للثقب الأسود أطلق طاقة أدت، عن طريق التسخين أو إطلاق الغاز الأساسي، إلى إبطاء تكوين النجوم الجديدة بشكل حاسم.
هناك توقعات بين العلماء بأن الملاحظات المستقبلية، التي تم إجراؤها باستخدام تلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST) وأدوات أخرى، سوف تسلط الضوء على العديد من الثقوب السوداء الخاملة من العصور البدائية للكون. يمكن لمثل هذه الاكتشافات أن تعمق فهمنا لكيفية منع هذه الكيانات الكونية من خلق النجوم، وكيف يمكن إعادة تنشيط الثقوب السوداء الخاملة مع تدفق مادة جديدة.

