ينبثق منظور جديد للأزمة البيئية من منطقة الأمازون، مما يحول المنطقة من مجرد موضوع للدراسة إلى مصدر قوي للمعرفة. في مواجهة التحديات الملحة التي يفرضها تغير المناخ، فإن الأشخاص الذين يسكنون الغابة ومياهها ومدنها يضعون أنفسهم الآن كمعلمين رئيسيين لعلوم المناخ المبتكرة على المسرح العالمي.
إن ما يتقاسمه سكان الأمازون مع الفكر الغربي يتجاوز حسابات انبعاثات الكربون والاستراتيجيات التكنولوجية. يقترحون تغييرًا جذريًا في الطريقة التي نتفاعل بها ونعيش على هذا الكوكب، بناءً على ارتباط عميق وعاطفي بالبيئة. يتحدى هذا النهج المفاهيم التقليدية ويشير إلى حلول المرونة القائمة على الاحترام القديم للطبيعة.
العلاقة الحميمة بين شعب الأمازون والحياة في الغابة
بالنسبة لأولئك الذين يراقبون نهر الأمازون من بعيد، غالبًا ما يُنظر إليه على أنه نظام بيئي واسع، موطن لأكبر حوض نهر في العالم. ومع ذلك، بالنسبة لأولئك الذين ولدوا ونشأوا في هذه المنطقة الحيوية، فإن الأمازون هي تجربة تتجلى في أبعاد متعددة، بما في ذلك الحسية والروحية. وعلى عكس الرؤية الديكارتية الأوروبية التي تفصل “الإنسان” عن “الطبيعة”، فإن تجربة الأمازون تجري في شبكة معقدة من العلاقات حيث لا يوجد هذا التمييز.
حتى في المراكز الحضرية الكبيرة مثل بيليم دو بارا، فإن الاتصال بالبيئة الطبيعية هو اتصال قريب ومودة عميقة. لا يكتفي سكان المنطقة بادعاء “أنها ستمطر”، بل “إنها” قادمة، مجسدين المطر ككيان حي. يشكل هذا الحضور الإيقاع اليومي، ويؤثر على التجارة والنقل وحتى على مزاج الناس.
وتشكل هذه العلاقة الحميمة مع الطبيعة أساس المعرفة المتوارثة عن الأسلاف والتي يسعى العالم جاهدا إلى فهمها: القدرة على التكيف مع تغير المناخ. إنها تتمتع بالمودة والاحترام، حيث تعلم منذ سن مبكرة ضرورة “طلب الإذن” قبل دخول الغابة أو النهر أو الشاطئ. هذه الممارسة ليست خرافة، بل هي أخلاقيات التعايش، حيث لا يُنظر إلى الطبيعة على أنها مساحة يجب غزوها، بل كامتداد للتعايش الاجتماعي والحياة نفسها.
تحديات إنهاء الاستعمار في علوم المناخ
إن حركة إنهاء الاستعمار في مجال تغير المناخ تتجاوز النظريات الأكاديمية في أمريكا اللاتينية. إنه يمثل تعبئة أخلاقية وعملية أساسية لتوسيع فهم الواقع البيئي. لفترة طويلة، كانت استراتيجيات مواجهة أزمة المناخ يمليها أولئك الذين ساهموا بشكل أكبر في المشكلة، مع إعطاء الأولوية للتكنولوجيات المكلفة وأسواق ائتمان الكربون، وغالباً ما أهملوا المجتمعات التي تسكن المناطق المتضررة بشكل مباشر.
ويتطلب إنهاء الاستعمار الحقيقي في مجال المناخ الاعتراف بأن أشكال المعرفة المتنوعة لها قيمة وصلاحية متساوية. في منطقة الأمازون، يكون التفاعل بين المعرفة العلمية في المختبر والمعرفة العملية في الفناء الخلفي ثابتًا وعضويًا. إن هذا التوليف من المعرفة، الذي لا يزال الغرب يرفض قبوله، يتم اختباره يوميًا.
في مدن مثل بيليم، ليس من غير المألوف أن يتم استكمال العلاج الطبي بالأدوية التي يتم شراؤها من الصيدلية بشاي الأعشاب المزروع في الفناء الخلفي للمنزل. يكشف هذا التكامل عن منطق الصحة والرفاهية الذي يكرم العلوم الرسمية والمعارف التقليدية.
الاعتراف بمعارف الأجداد باعتبارها تكنولوجيا أساسية
تقدر علوم المناخ بعد انتهاء الاستعمار المعارف التقليدية لشخصيات مثل القابلات، وأسياد الكاريمبو، وسكان ضفاف النهر، والشعوب الأصلية، معتبرة إياها تكنولوجيا متطورة للحفاظ على الحياة. وتاريخياً، أثبتت هذه المجتمعات التعايش والتوفيق بين العلوم المختلفة في حل المشكلات العملية.
تحدث عملية إنهاء الاستعمار عندما يتم التخلي عن محاولة “تعليم” سكان الأمازون الحفاظ على البيئة، ويتم اعتماد موقف الاستماع النشط لفهم كيف يتمكن هؤلاء الأشخاص من الحفاظ على مكانة الغابة أثناء إقامتهم فيها. وهو اعتراف حاسم بأن حلول مشكلة الانحباس الحراري العالمي تنطوي حتماً على تقييم أساليب الحياة التي لم تنفصل قط عن المحيط الحيوي.
وينطوي هذا التغيير في المنظور على احترام عميق للممارسات وأنظمة المعرفة التي سمحت بالحفاظ على التنوع البيولوجي في الأمازون لآلاف السنين. إن تكامل هذه المعرفة ليس بديلا، بل هو طريق أساسي نحو بناء مستقبل أكثر استدامة.
حوار جديد من أجل مستقبل الكوكب
إن أهم تعليم تقدمه منطقة الأمازون للعالم هو الحاجة الملحة إلى رؤية موسعة وحوارية للمعرفة. وفي حين يميل العالم الأكاديمي العالمي إلى تجزئة المعرفة إلى تخصصات معزولة ــ علم الأحياء، وعلم الاجتماع، وعلم المناخ ــ فإن الفكر الأمازوني يتميز بالتكامل. إنه يدرك أن صحة النهر، على سبيل المثال، ترتبط ارتباطًا جوهريًا برفاهية وروحانية أولئك الذين يعيشون على ضفافه.
إن “علم الاستماع” الذي تروج له شعوب الأمازون يعلمنا أن مكافحة تغير المناخ ليست حرباً حصرية ضد الكربون، بل في المقام الأول مصالحة عميقة مع الحياة ذاتها. ومن خلال توجيه العالم إلى التعامل مع الغابة باعتبارها أحد أصحاب الحقوق، وليس مجرد موضوع للاستغلال، فإنهم يقدمون واحدة من أكثر التكنولوجيات الاجتماعية قيمة في عصرنا: الإدراك الحيوي لحقيقة أننا جزء لا يتجزأ من الأرض وأن مصيرنا متشابك مع مصيرها.
وبالتالي فإن مستقبل المناقشات المناخية لا يقتصر على المؤتمرات الدولية (COPs) أو المكاتب في بروكسل. إنه يكمن في معرفة أولئك الذين يعرفون أسماء الأعشاب واستخداماتها، وأولئك الذين يفهمون دورة المياه دون الحاجة إلى التطبيقات، وأولئك الذين، عندما يسيرون عبر الغابة، يدركون أنهم يدوسون على أرض مقدسة. إن إنهاء الاستعمار، في نهاية المطاف، يعيد الدور القيادي في التاريخ إلى أولئك الذين لم يتوقفوا قط عن كونهم أبطالاً لبقائهم في أكبر شبكة للتنوع البيولوجي على هذا الكوكب.

