في كثير من الأحيان، يتم التعامل مع التوتر باعتباره مشكلة عقلية بحتة. ومع ذلك، فإن التحقيق الأخير الذي أجراه باحثون في جامعة جنوب ويلز، في أستراليا، يوضح أن الانقسام بين النفسي والجسدي لا ينطبق على جسم الإنسان. ينشط التوتر والقلق سلسلة سريعة من التحولات البيوكيميائية التي تنتشر عبر مجرى الدم، مما يؤثر على الجسم بطرق قابلة للقياس.
عند اختبار متطوعين أصحاء في بيئة معملية، لاحظ الباحثون أن الإجهاد العقلي الحاد يعمل كمحفز كيميائي حقيقي. وفي غضون دقائق، تحدث زيادة في إنتاج الجزيئات شديدة التفاعل، والمعروفة باسم الجذور الحرة. وتقوم هذه الجزيئات بدورها بتعديل طريقة تطور جلطات الدم، مما يشير إلى أن التوتر النفسي يمكن في الواقع أن يغير الدم جسديًا، مما يجعله أكثر عرضة للتجلط.
لعقود من الزمن، أدرك المجتمع العلمي الضرر الذي يسببه الإجهاد المزمن للقلب. أشارت العديد من الدراسات السكانية واسعة النطاق باستمرار إلى الضغط العاطفي كعامل خطر لمشاكل القلب والأوعية الدموية. وما بقي غير واضح هو على وجه التحديد كيف يمكن تحويل العاطفة إلى تغير بيولوجي قادر على زيادة هذا الخطر.
عندما تكون هناك تجربة من الضغط النفسي، فإن نظام الإرقاء – المسؤول عن الحفاظ على تدفق الدم بشكل طبيعي، وفي الوقت نفسه، على استعداد لوقف النزيف – يفقد توازنه. يدخل الدم في حالة تسمى فرط تخثر الدم، والتي تتميز بميل أكبر لتكوين جلطات. ومع ذلك، فإن الآلية الكامنة وراء هذه العملية لا تزال موضع نقاش بين العلماء.
ويرى بعض الخبراء أن التوتر ينشط جهاز المناعة، مما يؤدي إلى التهاب واسع النطاق. واقترح آخرون أنه تسبب في زيادة تركيز الدم مع ارتفاع ضغط الدم.
سعى البحث الذي أجراه لويس فال، المحاضر الأول في علم وظائف الأعضاء البشرية بجامعة جنوب ويلز، وفريقه، إلى التحقق من صحة تفسير واضح: أن المحفز الحقيقي هو الإجهاد التأكسدي. تشير هذه النظرية إلى زيادة مفاجئة في الجذور الحرة، نتيجة لاستجابة الجسم الطبيعية للإجهاد، والتي تعمل كآلية أولية لتغيير الخصائص الهيكلية للدم بشكل مباشر.
لاستكشاف هذه الفرضية، أجريت دراسة سريرية على ثمانية رجال أصحاء تتراوح أعمارهم بين 18 و30 عامًا. حضر كل مشارك المختبر في مناسبتين، يفصل بينهما أسبوع واحد. وفي إحدى الزيارات بقي المتطوع في حالة راحة. وفي الحالة الأخرى، تم تعريضه لاختبار ترير للإجهاد الاجتماعي، وهو أسلوب يعتبر المعيار الذهبي لإحداث ضغط نفسي حاد في التحقيقات العلمية. تم تحديد تسلسل الزيارات بشكل عشوائي.
الاختبار غير مريح عن عمد لأنه يكرر الضغوط الاجتماعية الشائعة في الحياة اليومية. كان لدى المشاركين خمس دقائق لإعداد عرض تقديمي شفهي ومن ثم تقديمه أمام الكاميرا ولجنة من المقيمين بتعبير محايد. وقبل وقت قصير من بدء الخطاب، تمت إزالة ملاحظاته. وبعد ذلك مباشرة، كان عليهم إجراء تحدي الحساب الذهني: العد التنازلي من عام 2003، وطرح 17 في كل خطوة. ومع كل خطأ يرتكبونه، يُطلب منهم البدء من جديد.
تم إجراء مجموعات الدم مباشرة قبل وبعد كلتا الدورتين. خلال جلسة الراحة، ظل التركيب الكيميائي لدم المشاركين دون تغيير. ومع ذلك، بعد اختبار الإجهاد، حدثت ظاهرتان في وقت واحد: زيادة مستويات الجذور الحرة وتغير بنية جلطات الدم بشكل ملحوظ. تم تحديد زيادة في الجذور الحرة للأسكوربات، والتي تستخدم كمؤشر للإجهاد التأكسدي، مما يشير إلى أن الإجهاد العاطفي يزيد بسرعة من الإجهاد التأكسدي في الجسم. وفي الوقت نفسه، أصبحت الجلطات المتكونة أكبر وأكثر كثافة وأكثر إحكاما، مع تركيز أكبر من الفيبرين، وهو البروتين الضروري لتشكيل بنية الجلطة.
ولم يتم العثور على أي دليل على أن الإجهاد يغير لزوجة الدم أو سمكه. وتتناقض هذه النتيجة مع النظرية القائلة بأن التوتر يعمل بشكل رئيسي عن طريق تركيز الدم. وتشير النتائج بدلا من ذلك إلى أن الإجهاد يعدل نوعية وبنية الجلطة نفسها. وهذا يوفر دليلاً جديدًا على أنه حتى فترات الضغط النفسي القصيرة يمكن أن تؤدي إلى تغيرات بيولوجية سريعة مرتبطة بزيادة احتمالية التخثر.
ويشير لويس فال إلى أنه “بالطبع، دراستنا لا تعني أن العرض المجهد أو يوم صعب في العمل يؤدي على الفور إلى نوبة قلبية أو سكتة دماغية. أمراض القلب والأوعية الدموية أكثر تعقيدا بكثير.” ويضيف أن “نتائجنا توفر أدلة مهمة حول كيفية تأثير الضغط النفسي على الجسم، ولكن يجب تفسيرها بالحذر الواجب. وبما أن الدراسة شملت ثمانية رجال فقط من الشباب الأصحاء، ستكون هناك حاجة إلى مزيد من البحث الشامل، بما في ذلك النساء وكبار السن والأشخاص الذين يعانون من أمراض القلب والأوعية الدموية، للتحقق من مدى وصول هذه النتائج”.
ويشير العالم أيضًا إلى أن استنتاجات البحث يمكن أن تمهد الطريق لتطوير استراتيجيات جديدة لتقليل مخاطر القلب والأوعية الدموية. وبدلاً من التركيز فقط على التجربة النفسية للإجهاد، يمكن للتحقيقات المستقبلية أن تدرس ما إذا كان التدخل في الآليات البيوكيميائية الأساسية يساعد في حماية نظام القلب والأوعية الدموية من بعض الآثار الجسدية الناجمة عن الإجهاد.
