قام العلماء بتنشيط أول ساعة نووية في العالم باستخدام نواة الثوريوم واختبار المادة المظلمة
أعلن العلماء أن أول ساعة نووية وظيفية في العالم قد بدأت عملياتها، مما يمثل تقدما كبيرا في القدرة على قياس الوقت بدقة غير مسبوقة. هذا التطور الواعد لديه القدرة على إعادة تعريف تصورنا للكون، وفتح الأبواب لاستكشاف الظواهر الكونية التي لا تزال يساء فهمها، مثل طبيعة المادة المظلمة أو استقرار ثوابت الفيزياء الأساسية مع مرور الوقت. إن الاستقرار الاستثنائي المتوقع من هذه الأجهزة يتجاوز قدرات الساعات الذرية الحالية، مما يسمح باختبار النظريات الأساسية بدقة لم يتم تحقيقها من قبل.
وتعتمد التقنية المبتكرة وراء هذه الآلية على استخدام نواة الذرات، بدلاً من التحولات الإلكترونية التي تستخدمها الساعات الذرية التقليدية. وبينما تستخدم الساعات الذرية تردد تذبذب الإلكترونات التي تدور حول النواة، فإن هذا النظام الجديد يستغل انتقال الطاقة داخل النواة نفسها. يوفر هذا النهج مرونة فائقة في مواجهة التدخل الخارجي، نظرًا لأن النوى الذرية أكثر عزلة وأقل عرضة للمجالات المغناطيسية وتغيرات درجات الحرارة.
ومن المتوقع أن الدقة التي حققتها الساعة النووية ستسمح لنا بالكشف عن الأسرار العميقة للكون. يمكن للبيانات الناتجة عن هذه الأداة المتطورة أن تساعد الباحثين على اكتشاف الاختلافات المتناهية الصغر في قوانين الفيزياء، والبحث عن علامات المادة المظلمة أو الطاقة المظلمة، وحتى اختبار نظرية النسبية العامة لألبرت أينشتاين في ظل ظروف قاسية. يتطلب البحث عن هذه الحالات الشاذة الدقيقة قياسًا دقيقًا للوقت لا يمكن أن توفره إلا تكنولوجيا مثل الساعة النووية، والتي تعمل كأداة أساسية لتطوير المعرفة العلمية.
الآلية المتقدمة وراء ضبط الوقت الذري
تستغل أعمال الساعة النووية ظاهرة تعرف باسم التحول النووي للثوريوم 229 (Th-229)، وهو نظير له حالة طاقة منخفضة بشكل استثنائي في نواته. هذه الحالة المثارة، المعروفة باسم الأيزومر النووي، مثيرة للاهتمام بشكل خاص لأن الطاقة اللازمة لتنشيطها أو إبطال مفعولها تتوافق مع تردد في الطيف فوق البنفسجي، والذي يمكن التحكم فيه بالليزر. إن اختلاف الطاقة الصغير يجعل من Th-229 مرشحًا مثاليًا لمذبذب مستقر، يعمل مثل البندول النووي عالي التردد.
إن الاستقرار الفائق للساعات النووية مقارنة بالساعات الذرية البصرية، والتي هي بالفعل دقيقة للغاية، يكمن في الطبيعة المحمية للنواة الذرية. ومن المتوقع أن تكون قادرة على تحقيق دقة تصل إلى 100 مرة أكبر من الساعات الذرية الأكثر تقدما، مما يتيح قياس الوقت الذي من شأنه أن يفقد ثانية واحدة فقط كل مئات المليارات من السنين. تعتبر هذه القدرة ضرورية لتجارب الفيزياء الأساسية التي تسعى إلى اكتشاف أصغر الاضطرابات في الزمكان.
آفاق الفيزياء والدقة تتقدم باستمرار
ومع هذا الإنجاز التكنولوجي يرى المجتمع العلمي آفاقًا جديدة للبحث في مختلف مجالات الفيزياء. والآن ستتمكن فرق العلماء حول العالم، الذين عملوا على تطوير هذه التكنولوجيا لعقود من الزمن، من المضي قدمًا في التجارب التي كانت في السابق نظرية فقط. وستكون الساعة النووية بمثابة مختبر مصغر لاستكشاف التفاعلات الأساسية للمادة، والتحقيق في احتمال أن تتغير ثوابت الطبيعة، التي تعتبر ثابتة، قليلاً بمرور الوقت أو في مواقع مختلفة في الكون.
ومن الممكن أن يؤدي دمج الساعات النووية في الشبكات العالمية إلى بنية أساسية زمنية أكثر قوة، مع ما يترتب على ذلك من آثار عملية على أنظمة الملاحة المتقدمة، والاتصالات عبر الأقمار الصناعية، والاستشعار عن بعد عالي الدقة. على الرغم من أن تطبيقه الرئيسي هو البحث الأساسي، إلا أن التقدم في التوقيت الدقيق قد تُرجم تاريخيًا إلى فوائد تكنولوجية طويلة المدى للمجتمع. ويمثل تفعيل هذا النموذج الأولي خطوة أساسية نحو تحويل علم قياس الوقت وتوسيع حدود فهمنا للكون.
















