يستخدم الباحثون معادلات أينشتاين وأجهزة الكمبيوتر العملاقة لكشف الكون قبل الانفجار الكبير

big bang, espaço

big bang, espaço - Gergitek/Shutterstock.com

يواجه علم الكونيات تحديات معقدة تتجاوز حدود الرياضيات التقليدية. وبالرجوع إلى نظرية ألبرت أينشتاين النسبية إلى لحظة الانفجار الكبير، تتقارب الصيغ في نقطة واحدة، حيث تصل الكثافة ودرجة الحرارة إلى قيم لا نهائية، مما يجعل الفيزياء الحالية غير فعالة في وصف السيناريو.

لقد أدى هذا القيد إلى تحويل الأسئلة حول التكوين الأولي للكون إلى مأزق علمي. أسئلة مثل وجود شيء ما قبل الانفجار الكبير، أو إمكانية أن يكون الكون قد انبثق من مرحلة سابقة، أو ما إذا كان التضخم الكوني قد بدأ من حالة متجانسة أو فوضوية، كانت نوقشت سابقًا في الغالب في مجال التكهنات، مع وجود طرق قليلة للتحقق التجريبي أو النظري القوي.

ومع ذلك، تشير الأبحاث الحديثة إلى أن هذا الوضع قد يكون في طور التغيير. وفقًا لدراسة نشرت في مجلة *Living Reviews in Relativity*، يقترح الباحثون يوجين ليم من جامعة كينجز كوليدج في لندن، وكاتي كلوف من جامعة كوين ماري في لندن، وجوسو أوريكويتكسيا من جامعة أكسفورد، أن النسبية الرقمية يمكن أن تمكن علماء الكون من دراسة المناطق التي لم يكن من الممكن الوصول إليها سابقًا عن طريق الحسابات التقليدية.

تستخدم النسبية العددية قوة أجهزة الكمبيوتر العملاقة لتقدير حلول معادلات أينشتاين في سيناريوهات معقدة للغاية، حيث تصبح الرياضيات التحليلية غير مجدية. وقد تم بالفعل تعزيز هذا النهج في فيزياء الثقب الأسود، مما ساهم في نمذجة عمليات اندماج هذه الأجسام الكونية وموجات الجاذبية الناتجة عنها.

كيف تثبت التبسيطات التقليدية لعلم الكونيات أنها غير كافية

في معظم التحقيقات الكونية، يختار العلماء تبسيط الأمور من خلال افتراض أن الكون يقدم تجانسًا في الأبعاد الكبيرة ومظهرًا موحدًا في جميع الاتجاهات. مثل هذا النموذج، الموجود في وصف روبرتسون ووكر للكون، فعال بالنسبة للجزء الذي يمكن ملاحظته حاليًا من الكون.

ومع ذلك، فمن غير المرجح أن يكون للكون في مراحله الأولية مثل هذه الدرجة من التنظيم.

تفقد هذه التبسيطات التقليدية صلاحيتها عندما تكون قوة الجاذبية شديدة، ويكون توزيع المادة غير متجانس بشكل مفرط، وتخضع بنية الزمكان لتغيرات جذرية. ووفقا للتحليل، في ظل هذه الظروف، قد تكون عمليات المحاكاة التي تأخذ في الاعتبار النسبية بشكل كامل هي الطريقة الوحيدة لفهم هذه الظاهرة.

يوضح ليم: “من الممكن التحقيق بالقرب من عمود الإنارة، لكن لا يمكنك الذهاب إلى أبعد من ذلك، حيث يوجد ظلام، حيث لا يمكن حل المعادلات”. ويضيف أن “النسبية الرقمية تجعل من الممكن استكشاف المناطق التي تتجاوز حدود الإضاءة”.

الانفجار الكبير – ملك القماش / Shutterstock.com

يعد هذا التحول المنهجي أمرًا بالغ الأهمية، نظرًا لأن أكبر الأسئلة في علم الكونيات تقع بالضبط في هذه المنطقة الغامضة. فنظرية التضخم، على سبيل المثال، مقبولة على نطاق واسع لتوضيح التجانس الحالي واستواء الكون، ولكن الآلية التي تؤدي إلى هذا التوسع المتسارع لم يتم تحديدها بعد. ومن الممكن أن تساعد عمليات المحاكاة التي لا تتطلب تناظرًا مثاليًا في الكشف عن الظروف الأولية التي تولد التضخم بالفعل وأيها لا يؤدي إلى ذلك.

تؤكد الدراسة على أهمية هذا النهج، خاصة عندما تكون التباينات واضحة، وتغطي امتدادات بحجم الأفق الكوني ولا يمكن اعتبارها مجرد تقلبات منفصلة في سيناريو خلفية مبسط.

النسبية العددية: من دراسة الثقوب السوداء إلى استكشاف الأصول الكونية

للنسبية الرقمية تاريخ طويل، لكنها عززت مكانتها المعاصرة في مجال الثقوب السوداء. وقد أشارت الأبحاث الرائدة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي بالفعل إلى إمكاناته، واكتسب هذا التخصص زخمًا كبيرًا عندما احتاج الفيزيائيون إلى نماذج دقيقة لموجات الجاذبية المتوقعة من اندماج الأجرام السماوية المدمجة.

وفي عام 2005، وصلت عمليات المحاكاة إلى مستوى الدقة اللازم لتوضيح مسألة اندماج الثقوب السوداء. كان هذا التقدم حاسمًا لعمليات الاكتشاف اللاحقة التي أجراها مرصد LIGO، مما يدل على قدرة الحوسبة على حل جوانب النسبية العامة التي لم تتمكن طرق الحساب التقليدية من معالجتها.

وتشير التحليلات الحديثة إلى أن علم الكونيات يجد نفسه الآن في منعطف مماثل. على الرغم من أن الباحثين يمتلكون بالفعل الأدوات الحسابية، إلا أن التعاون بين علماء الكون وخبراء النسبية الرقمية لا يزال مقيدًا. أحد أهداف المقالة على وجه التحديد هو تشجيع الحوار المشترك بين هذين المجالين، بدءًا من اختيار المقاييس والشروط الحدودية إلى تفسير النتائج في استمرارية الزمان والمكان غير المنتظمة إلى حد كبير.

هذه التفاصيل الفنية ليست تافهة. يخصص المؤلفون جزءًا كبيرًا من المراجعة للتحديات العملية، مثل تحديد الشروط الأولية التي تلبي القيود التي اقترحها أينشتاين، وفرض حدود على الكون المُحاكى، واستقرار خيارات الإحداثيات، والتفريق بين النتيجة التي تمثل الفيزياء الحقيقية ومجرد الفشل في تجزئة البيانات.

إمكانيات التحقيق في الكون مع ماض متعدد

ومن بين وجهات النظر الأكثر إثارة للاهتمام، تبرز فرصة تحليل النماذج التي تشير إلى كون ليس له نقطة بداية واحدة. تتصور بعض الفرضيات الكون كنظام دوري، يتناوب بين مراحل الانكماش والتوسع. وتسعى نظريات أخرى بدورها إلى استبدال مفهوم الانفجار الكبير الواحد بحدث “ارتداد” كوني.

مثل هذه السيناريوهات معقدة بسبب تورطها في ظروف شديدة الخطورة ومخالفات قوية، مما يبطل التقديرات التقريبية التقليدية. تشير المراجعة إلى أن النسبية الرقمية قد تكون واحدة من الأدوات النادرة القادرة على التحقق من جدوى مثل هذه النماذج.

ويمتد المبدأ نفسه إلى مفاهيم قديمة أخرى تقع على الحد الفاصل بين الملاحظة والنظرية. يذكر الباحثون الأوتار الكونية، وصدمات الفقاعات، والثقوب السوداء البدائية، وفترة التسخين المسبق بعد التضخم، والتأثيرات الضعيفة للنسبية العامة على الكون المتأخر، كأسئلة يمكن توضيحها من خلال عمليات المحاكاة الشاملة.

وفي مواقف معينة، قد تتجلى الفائدة في القدرة على الملاحظة. يمكن أن تساعد عمليات المحاكاة في التنبؤ بالعلامات التي ستتركها اصطدامات الفقاعات في إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، أو أنماط موجات الجاذبية التي يمكن أن تنشأ من الأوتار الكونية أو الأحداث العنيفة اللاحقة لمرحلة التضخم.

ومن المهم التأكيد على أن المقال لا يوحي بوجود إجابات جاهزة. تعمل غالبية المراجعة كدليل لمجال بحث متطور، وليس كحل للغز لم يتم حله. يسلط النص أيضًا الضوء على أن عمليات المحاكاة الكاملة للنسبية العامة مكلفة وصعبة من الناحية الفنية ولا تصبح مبررة إلا عندما تثبت الطرق الأكثر تبسيطًا عدم فعاليتها.

وعلى الرغم من ذلك، يؤكد المؤلفون أن مجال الدراسة قد وصل إلى مرحلة لم تعد فيها هذه المساعي تعتبر سابقة لأوانها.

الاختبار الصارم للنظريات الكونية الحالية

إحدى النقاط التي تم ذكرها بشكل متكرر في المراجعة هي قدرة النسبية الرقمية على تحويل الروايات الشاملة حول نشأة الكون إلى نماذج ينبغي أن تدعم التقييمات الملموسة. من المتميز أن نقترح أن التضخم يخفف من البداية غير المنتظمة، أو أن الكون المتقلص يمكن أن يتوسع باستمرار، في الواقع يبني زمكانًا بهذه الخصائص، دون افتراض التماثلات، ومن ثم التحقق من صحة النظرية.

إن طريقة “اختبار الإجهاد” مثل هذه من شأنها أن تقلل من عدد النظريات التي تعتبر معقولة.

علاوة على ذلك، فإن مثل هذا التقدم يمكن أن يؤدي إلى تكثيف المناقشات الجارية بالفعل. تسلط الدراسة الضوء على أن العمل العددي السابق قد تم استخدامه للتشكيك في مرونة التضخم في مواجهة الظروف الأولية الصعبة، وقدرة الانكماش البطيء على تجانس الكون غير المنتظم، والدرجة التي تعدل بها النسبية العامة المتكاملة توقعات الكون المتأخر مقارنة بالتقديرات القياسية.

يعبر ليم ومعاونوه عن توقعهم بأن تساهم المقالة في تشكيل مجال بحث أكثر شمولاً وتعاونًا حول هذه الأسئلة.

يقول ليم: “نحن نهدف إلى تعزيز التقاطع بين علم الكونيات والنسبية العددية حتى تتاح للمتخصصين في النسبية العددية، الذين يرغبون في تطبيق مهاراتهم في استكشاف المشكلات الكونية، هذه الفرصة”. ويضيف: “وبالمثل، حتى يتمكن علماء الكونيات، المهتمين بحل المسائل التي يتعذر عليهم الوصول إليها، من استخدام النسبية الرقمية.”

الآثار العملية ذات الصلة لطريقة البحث الجديدة هذه

والنتيجة المباشرة لا تكمن في الكشف الدقيق عما سبق الانفجار الكبير. وبدلا من ذلك، يتمثل التقدم الكبير في أن بعض الأسئلة التي كانت تعتبر في السابق غير قابلة للتحقيق من قبل العلم يمكن الآن إعادة صياغتها باعتبارها تحديات حسابية.

إذا أظهرت عمليات المحاكاة أي نماذج الكون في مرحلته البدائية ظلت مستقرة، وأيها انهار وأيها يولد أدلة يمكن ملاحظتها، فسيكون لدى العلماء طريقة أكثر دقة لتحليل النظريات حول أصل الكون.

ومع التقدم المستمر في قدرة المعالجة الحاسوبية، يمكن لهذا النهج أن ينشئ صلة بين النظريات المجردة والإشارات القابلة للاكتشاف في ظواهر مثل موجات الجاذبية، أو إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، أو تكوين الكون نفسه.

انظر أيضاً