في الآونة الأخيرة، أدى احتفال غريب من جانب المشجعين النرويجيين في حدث رياضي إلى إحياء الخيال الشعبي حول الفايكنج، من خلال محاكاة التجديف في القوارب القديمة. هذا التصوير، الذي يعكس قوة الشعب الإسكندنافي وتقاليده البحرية، هو تذكير دائم لكيفية حفر الفايكنج في الثقافة. ومع ذلك، فإن الاكتشافات العلمية الحديثة بدأت في إعادة كتابة هذا التاريخ، مما يتحدى المفاهيم العميقة الجذور حول الهوية الحقيقية لهؤلاء المستكشفين والمحاربين.
الكشف عن هوية الشعب النورسي القديم
تاريخيًا، كان الفايكنج معروفين بأنهم أشخاص من الدول الاسكندنافية، وهي المنطقة التي تشمل الدنمارك والسويد والنرويج. كانوا معروفين ببعثاتهم الاستكشافية بين القرنين الثامن والحادي عشر الميلاديين، وهي فترة تُعرف باسم عصر الفايكنج، حيث تناوبوا بين الأنشطة الزراعية في الربيع وحملات النهب والتجارة في الصيف. على الرغم من ارتباطهم غالبًا بالحرب، كان العديد منهم أيضًا مزارعين ماهرين، يزرعون الحبوب مثل الشعير والخضروات مثل الملفوف واللفت.
كانت الحياة اليومية لهؤلاء الناس غنية بالثقافة، حيث لعب الفن دورًا مهمًا. المجوهرات، على سبيل المثال، لم تكن للزينة فحسب، بل كانت تعبر أيضًا عن الانتماءات الدينية. وكان استخدام التمائم، مثل مطرقة ثور، إله الرعد وحامي النظام، شائعاً بينهم، مما يشير إلى ارتباط قوي بمعتقداتهم الأسطورية.
طرق التجارة والاستكشاف الواسعة للفايكنج
بعيدًا عن كونهم مجرد غزاة، كان الفايكنج أيضًا تجارًا وملاحين ممتازين، حيث قاموا بتوسيع نفوذهم عبر مناطق شاسعة. امتدت طرقهم التجارية عبر أوروبا، حيث جمعت بين حملات النهب وتبادل السلع الثمينة. ومن الأمثلة البارزة على ذلك طريق نهر الفولغا في روسيا المعاصرة، والذي ربط شمال أوروبا بالعالمين العربي والبيزنطي، مما سمح بالحصول على سلع مثل الملح والأصباغ والتوابل مقابل العسل والفراء وحتى العبيد.
كانت قدرة الفايكنج الملاحية ثورية في ذلك الوقت، وكانت عاملاً رئيسياً في رحلاتهم الطويلة ووصولهم إلى الأراضي البعيدة، بما في ذلك أمريكا الشمالية في أواخر القرن العاشر. وكانت سفنهم من روائع الهندسة البحرية، ومصممة للسرعة وللتنقل في المياه الضحلة، مثل الأنهار، دون مقاومة تذكر. وللتوجيه، استخدموا أدوات مثل “البوصلة الشمسية” وحتى البلورات، مما ساعدهم على تحديد اتجاه الشمس حتى في الظروف الضبابية، مما سهل العودة إلى أوطانهم أو المواقع الأخرى التي تم استكشافها سابقًا.
تفكك الأبحاث الجينية أسطورة الفايكنج الأشقر ذو العيون الزرقاء
لقد اهتزت الصورة الشعبية للفايكنج كمحاربين شرسين أشقر دائمًا وذوي عيون زرقاء بشكل كبير من خلال الدراسات العلمية الحديثة. كشفت الأبحاث الدولية التي أجراها علماء الوراثة التطورية، بما في ذلك البروفيسور إسكي ويلرسليف من جامعتي كامبريدج وكوبنهاجن، عن تنوع عرقي أكبر بكثير بين هذه الشعوب مما كان متصورًا سابقًا.
لمدة ست سنوات، قام الفريق بتحليل الحمض النووي لـ 442 فردًا من عصر الفايكنج، المستخرج من البقايا الموجودة في أكثر من 80 موقعًا أثريًا. ومن خلال مقارنة هذه المادة الوراثية مع تلك الموجودة لدى آلاف الأشخاص في العصور القديمة والحديثة، توصل الباحثون إلى اكتشافات مذهلة:
- أصول متنوعة:ولم تقتصر جينات الفايكنج على الدول الاسكندنافية، بل أظهرت أصلًا شمل أشخاصًا من جنوب أوروبا وآسيا.
- مظهر جسدي متنوع:بعيدًا عن الصورة النمطية، كان وجود الشعر الأشقر والعيون الزرقاء أقل شيوعًا في عصر الفايكنج مما هو عليه اليوم في الدول الاسكندنافية.
- المزيج الجيني:عززت طرق التجارة والاستكشاف الواسعة للفايكنج، والتي امتدت من كندا إلى أفغانستان، تمازج الأجناس بشكل كبير. وقد أدى هذا التفاعل مع الثقافات الأخرى إلى مجموعة واسعة من المظاهر الجسدية.
وأشار مارتن سيكورا، من جامعة كوبنهاجن أيضًا، إلى عدم وجود مجموعة متجانسة وراثيًا، مما يشير إلى تنوع كبير داخل سكان الفايكنج أنفسهم.
مفهوم “الفايكنج” كأسلوب حياة وليس كعرق
تشير استنتاجات الدراسات الجينية إلى إعادة تعريف أساسية لما يعنيه أن تكون من الفايكنج. هوية الفايكنج، وفقا للبحث، لم تكن مرتبطة بأصل جيني أو عرقي محدد، بل بنمط حياة مشترك. يؤكد إسكي ويلرسليف، قائد المشروع، أن “ظاهرة الفايكنج ليست شيئًا إسكندنافيًا، بمعنى أن العرق ليس هو الذي يحدد ما إذا كان شخص ما من الفايكنج أم لا. إنه أسلوب حياة”.
يتم تعزيز هذا المنظور من خلال ملاحظة وجود الفايكنج الذين لم يكن لديهم جينات إسكندنافية، وشاركوا بنشاط في الرحلات الاستكشافية والثقافة في تلك الفترة. علاوة على ذلك، يفصل البحث الطرق المفضلة لمختلف مجموعات الفايكنج: ذهب الدنماركيون بشكل رئيسي إلى إنجلترا، واستكشف النرويجيون أيرلندا وأيسلندا وغرينلاند، بينما ركز السويديون أنشطتهم في بحر البلطيق. ولا تغير هذه الاكتشافات الفهم التاريخي فحسب، بل تتحدى أيضًا الطريقة التي يتم بها بناء الهوية الجماعية وإدراكها مع مرور الوقت.

